حيدر حب الله
72
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) ( آل عمران : 14 - 15 ) ، فالآية لا تريد أن تقول بأنّ هذه المسرّات والملذّات في الدنيا لا قيمة لها ، بل تريد أن ترجع الإنسان إلى عقله ليوازن بين هذه الملذّات الناقصة المؤقّتة وبين الجنان والأزواج المطهّرة ورضوان الله تعالى ، ليرى حينها أنّ ما تعلّق به في الدنيا دفع ضريبته ما هو أفضل منه في الآخرة ، فيما المطلوب أن يدفع راحة الدنيا ضريبةً لراحة الآخرة ، كما دفع راحة شبابه ضريبةً لراحته في كبره . ب - يتصوّر كثيرون منّا أنّ الجنّة ليست سوى الملذّات الماديّة ، مع أنّ الجنّة - بحسب النصوص الدينية - فيها الملذّات الماديّة ، وفيها الملذّات الروحيّة كالقرب الروحي من الله سبحانه ولقائه تبارك وتعالى ، فنحن في الجنّة لا نعيش فقط الجانب المادّي للحياة ، بل نعيش الجانب الروحي أيضاً ، تماماً كهذه الدنيا ، فنحن هنا لا نعيش الجانب المادّي فقط ، كالطعام والشراب والجنس وغير ذلك ، بل نعيش جانباً معنويّاً مثل التفكير والطمأنينة والراحة النفسيّة والنجاح وراحة الضمير وسموّ الأخلاق ونحو ذلك . وقد تعرّض الفلاسفة للبعد الروحي في الثواب والعقاب وأثبتوا من خلال براهينهم التي اقتنعوا بها أنّ عالم الآخرة لا يقتصر على البعد المادي للأمور ، بل فيه بُعد روحي وغيبي أيضاً . وسبب تركيز النصوص الدينية على البعد المادّي في الملذّات ليس انحصار الملذّات الأخرويّة بها ، بل لأنّ طباع الناس على أنس وعلاقة بهذه الملذات ، فيرغّبهم سبحانه في العمل الصالح للوصول إليها لا لتكون هذه الملذّات هي الوحيدة ، بل ليروا معها اللذّة الحقيقيّة في اللقاء المعنوي بالله تعالى ، فأنت ترغّب ولدك بإعطائه المال إذا جدّ واجتهد في الدراسة ونجح ، لا لكي يكون معه هذا